الاثنين، 3 يوليو 2017

أقسام الناس في الطريق إلى الله تعالى من دروس الشيخ محمد حسان



أقسام الناس في الطريق إلى الله تعالى

إن الناس على الطريق إلى الله قسمان :
وهذا التقسيم ليس لي، وإنما هو تقسيم لأستاذنا ومعلمنا الإمام ابن القيم رحمه الله جل وعلا وأسكنه فسيح جناته، وطيب الله ثراه، وقدس الله روحه بقدر ما قدم للإسلام ولدين الإسلام وللمسلمين، ماذا يقول الإمام ابن القيم؟ انتبهوا حتى تعرفوا أين أنتم، هل أنت على الطريق أم أنت بعيد عنه، وبالرغم من ذلك فلقد زين الشيطان إليك عملك، وخدعك إبليس عليه لعائن الله، وقال لك: تمسك فإنك على الطريق، ولكن لو دققت في حقيقة أمرك، ولو فتشت في حقيقة سعيك لوجدت سعيك ممن قال الله فيهم: { الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } [ الكهف:١٠٤ ]، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحرى الدقة أيها الأخ الكريم، وانتبه معي جيدا لتتعرف أين أنت، هل أنت على طريق الله أم أنت بعيد عن الطريق؟
أقسام الناس في الطريق إلى الله تعالى
إن الناس على الطريق إلى الله قسمان: وهذا التقسيم ليس لي، وإنما هو تقسيم لأستاذنا ومعلمنا الإمام ابن القيم رحمه الله جل وعلا وأسكنه فسيح جناته، وطيب الله ثراه، وقدس الله روحه بقدر ما قدم للإسلام ولدين الإسلام وللمسلمين، ماذا يقول الإمام ابن القيم؟ انتبهوا حتى تعرفوا أين أنتم، هل أنت على الطريق أم أنت بعيد عنه، وبالرغم من ذلك فلقد زين الشيطان إليك عملك، وخدعك إبليس عليه لعائن الله، وقال لك: تمسك فإنك على الطريق، ولكن لو دققت في حقيقة أمرك، ولو فتشت في حقيقة سعيك لوجدت سعيك ممن قال الله فيهم: {الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا} [ الكهف:١٠٤ ]، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فتحرى الدقة أيها الأخ الكريم، وانتبه معي جيدا لتتعرف أين أنت، هل أنت على طريق الله أم أنت بعيد عن الطريق ؟


القسم الأول
قسم قد ضل عن طريق الله وأعلن العداء لشرعه
يقول الإمام ابن القيم: الناس قسمان: قسم قد ضل الطريق عن الله جل وعلا، بعد وانصرف عن الطريق الحق، ضل الطريق إلى الله سبحانه وتعالى، قسم أعلن العداء لله، وأعلن الحرب على شرع الله رجالا ونساء، رجال يقولون: إن في شرع الله التخلف والتأخر، وإن في النقاب الرجوع إلى الوراء: ما هذا التخلف والتأخر والتنطع؟ إن النقاب تخلف، وإن الحجاب تأخر وهكذا، وامرأة أخرى صرخت على صفحات الجرائد، وعبر شاشات التلفاز والإذاعات، تقول: أتريدون أن نرجع إلى عصر الناقة والحصان؟ أتريدون منا أن نرجع إلى الوراء؟ أتريدون منا أن نرجع إلى عهد الأعراب الذين عاشوا في الصحراء؟ إننا في القرن العشرين، إننا في عصر الصاروخ والطائرة والصعود إلى القمر، فلا رجعة ولا عودة إلى الوراء، وعرت عن صدرها وذراعيها، وكشفت عن ساقيها، وكأنها تقول بلسان الحال والمقال: يا رب! غير شرعك ودينك، فإن شرعك لم يعد يتفق مع مدنية القرن العشرين.
هؤلاء الناس ضلوا عن طريق الله، وأعلنوا العداء لله ولشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسخروا من الموحدين والمتوضئين! استهزءوا بهم في كل زمان ومكان، ووصفوهم بأنهم إرهابيون، ومتنطعون، ومتشددون، هل من تمسك بكتاب الله إرهابي؟! هل من تمسك بدين محمد صلى الله عليه وسلم متشدد ومتنطع؟ هذا الذي وضع المسك بدلا من رائحة السيجارة والتدخين، والذي وضع المسواك في فمه بدلا من السيجارة والعياذ بالله، هؤلاء إرهابيون، هؤلاء متنطعون، هؤلاء متشددون؟! أيها الموحدون! أيها المؤمنون! أيها المتمسكون بدين حبيبكم محمد صلى الله عليه وسلم! لا تضلوا عن الطريق، ولا يغرنكم من بعد عن الطريق، مهما كثر عددهم، فإن الحق واضح، ورسول الله كان وحده يدعو إلى الله جل وعلا، فلا تغتروا بكثرة المبتدعين، وكثرة المفتونين، واعلموا أن نبيكم وحبيبكم محمد كان وحده في الميدان يدعو إلى الله وحده، فثبته الله جل وعلا، وثبت معه المخلصون من هذه الأمة، الذين دعوا إلى الله جل وعلا، فنقلهم الله بتمسكهم بكتاب الله وسنة رسول الله من رعاة للغنم إلى قادة وسادة لجميع الأمم.
فهذا الصنف الذي أعلن العداء لله، وهذا الصنف الذي ضل عن طريق الله، وأعلن الحرب على شرع الله، وأعلن العداء للمتوضئين الذين أشرقت وجوههم بأنوار الإيمان والطاعة، الذين سجدوا لله في الليل، وهؤلاء بين الخمور وبين شاشات التلفاز، وأمام أشرطة الفيديو، والمغنيات والقينات والخينات والعياذ بالله.
فيا أيها المتوضئون! اثبتوا، واصبروا، واعلموا أن النصر حليفكم بإذن الله جل وعلا: { ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون } [ الأنبياء:١٠٥ ]، إن النصر للإسلام والله، وإن النصر لدين الله، لا تخافوا على الدين أبدا، فإن الذي تولى حفظ الدين هو الله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [ الحجر:٩ ]، لا نحذركم ولا نخوفكم على الدين، وإنما الحذر علينا نحن المسلمين وأصحاب الدين من هذه الفرقة، ومن هذه الاختلافات؛ لأن الدين محفوظ بعناية الله وقدر الله سبحانه! وقد ذكرت لكم أن مدرسا تربى على الشيوعية والوجودية والإلحاد: دخل ذات يوم على تلامذته في الفصل، وأراد أن ينفث سموم هذه العقيدة العفنة في عقول هؤلاء الصغار، فوقف أمامهم وأشار إليهم وهم صغار العقول، وقال لهم: يا أولاد! هل ترون هذه السبورة ! قالوا: نعم.
قال: إذا السبورة موجودة.
تروني؟ قالوا: نعم.
قال: إذا أنا موجود.
أترون الدرج الذي أنتم قاعدون عليه؟ قالوا: نعم.
قال: إذا الدرج موجود.
أنتم ترون ربنا؟ قالوا: لا.
قال: إذا غير موجود، لا وجود لخالق، إذا هذا الكون كله من عرشه إلى طرفه لا خالق له.
سبحان الله! يا أعرابي! يا من عشت في الصحراء! يا من لم تدخل إلى جامعة من الجامعات! ويا من لم تدرس في كلية من الكليات! يا من لم ترتحل في جنبات الأرض بحثا عن علم، أو جريا وراء فكر، أو فلسفة زائفة، أو منهج خداع.
أيها الأعرابي البسيط! بالله عليك بماذا تعرفت على الله؟ وما الدليل على وجود الله؟ قال لهم: البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير، وسماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، وبحار ذات أمواج، أفلا يدل كل ذلك على اللطيف الخبير؟! سبحان الله! هذا الرجل المشرك الملحد الوجودي الشيوعي، يقول لهم: لا وجود للخالق، سبحان الله العظيم! وإذ بالله تبارك وتعالى الذي تكفل بحفظ دينه ينطق صبيا وطفلا صغيرا من هؤلاء الصغار، ينطقه الله ويؤتيه الحكمة: {ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا} [البقرة:٢٦٩]، فقام تلميذ أراد أن يقلد أستاذه.

مشى الطاووس يوما باختيال فقلد مشيته بنوه

فقال علام تختالون قالوا لقد بدأت ونحن مقلدوه

وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوده أبوه
فقام التلميذ مقلدا لأستاذه، ووقف أمام أستاذه ونظر إلى زملائه من التلاميذ، وقال لهم: يا أولاد: أنتم ترون عقل الأستاذ؟ قالوا: لا، قال: إذن عقله غير موجود، مجنون ابن مجنون، هذا حفظ الله لدينه، { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } [ الحجر:٩ ]، عهد أخذه الله على نفسه، فلا تخافوا على هذا الدين، ولكن الخوف علينا نحن المسلمين إذا ما ضيعناه، وإذا ما فرطنا فيه، وإذا ما ألقينا كتاب الله وشرع رسول الله وراء ظهورنا، هنا يخشى علينا من الضياع والضلال: ( يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أومن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: كلا، ولكنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل -زبد لا قيمة له ولا نفع فيه- وليوشكن الله أن ينزع المهابة من قلوب عدوكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن، قيل: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حب الدنيا وكراهية الموت ).
فيا أيها الأحباب! صنف قد ضل عن الطريق وأنتم تعلمونه جيدا، أعلن العداء لله، وأعلن الحرب على شرع الله، وأعلن العداء للدعاة، وصب الإيذاء والعذاب صبا على كل من دعا إلى هذا الدين، هذا الصنف تحركه الشياطين، والأهواء والشهوات، ألم تقرأ قول الله جل وعلا: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } [ مريم:٨٣ ]، تدفعهم الشياطين إلى المعاصي دفعا، وإلى الضلال دفعا، وإلى جهنم دفعا، نؤزهم أزا إلى الضلال والمعاصي والهلاك، هذا هو الصنف الأول؛ بعد عن الله فبعد الله عنه، وويل لمن بعد الله عنه: { ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى } [ طه:١٢٤ ]، هذه هي النتيجة، من أعرض عن الله أعرض الله عنه، ومن أعرض الله عنه فهو في ضلال.
نعيش في هذا الضنك والضيق، نقص في الأموال والثمرات والمياه والكهرباء والاقتصاد لا رخاء اقتصادي، ولا أمن، ولا أمان، لماذا؟ لأننا أعرضنا عن الله، وأعلنا العداء على الله، والحرب على شرع الله جل وعلا، فماذا تنتظرون؟ ماذا تكون النتيجة؟ هذا الضنك والضيق والضلال والبعد، وهذه الأزمات والمشاكل والظلمات التي نعيش فيها، هذه نتيجة حتمية لكل من أعرض عن منهج الله، هذه نتيجة حتمية لكل من شذ وأعلن الحرب على شرع الله: { فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا } [ نوح:١٠ ] ما هي النتيجة؟ { يرسل السماء عليكم مدرارا * ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا * ما لكم لا ترجون لله وقارا } [ نوح:١١ - ١٣ ] ما لكم لا تعبدون الله حق العبادة، ما لكم لا توحدون الله حق التوحيد، ما لكم لا تصطلحون مع الله، ما لكم تعلنون الحرب على شرع الله، وعلى منهج الله، وعلى كتاب الله، النقاب تخلف، وشرع الله تأخر؟ لا إله إلا الله، فهذا الصنف أيها الأحباب ضل عن الطريق، وبعد عن الله فبعد الله وأعرض عنه، فهو يعيش في حسرة، لا أمن ولا أمان ولا رخاء ولا استقرار، وإن نعمة الأمن والأمان، ونعمة الاستقرار والرضا، إنما هي نعمة عظيمة، انتبه { ألا بذكر الله تطمئن القلوب } [ الرعد:٢٨ ]، نعمة الطمأنينة ونعمة الرضا، لا ينعم بها إلا المؤمن الذي اطمأن قلبه بذكر الله، والذي كان مع الله فكان الله معه.
القسم الثاني
قسم عرف الطريق إلى الله وثبت عليه
الصنف الثاني: صنف عرف الطريق وثبت عليه -أسأل الله أن نكون أنا وأنتم منهم- لأن نعمة الثبات -أيها الأحباب- من أجل النعم، أسأل الله أن يثبتني وإياكم على طريق الله، وأن يتوفاني وإياكم على التوحيد الخالص.
من الناس في الصنف الثاني من عرف الطريق إلى الله وثبت عليه، فهو يجاهد نفسه ويجاهد شيطانه وهواه ودنياه على أن يظل في هذا الطريق، ولكن الكل يختلف عن الآخر، كلنا يختلف في قدر عبادته، وكلنا يختلف في قدر طاعته، هذه فطر الله في خلقه، فلا تختلفوا ولا تتفرقوا ولا تتحاقدوا، واعلموا بأن فطرة الله في خلقه أن يكون هذا التباين والاختلاف، هذا سيد عمله العلم، لا يزال عاكفا على العلم حتى يسلك من هذا الطريق إلى الله، وهذا سيد عمله الصلاة، وهذا سيد عمله تلاوة القرآن، وهذا سيد عمله قيام الليل، وهذا سيد عمله الصيام، وهذا سيد عمله إغاثة اللهفات، وتفريج الكربات وأنواع الصدقات، وهذا سيد عمله الحج والاعتمار، وهذا سيد عمله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله.
إذا: فالكل يختلف بقدر ما من الله به عليه من عطاء، كلنا يتباين في مقدار القرب والبعد عن الله، وكلنا يتباين في مقدار القربات والطاعات إلى رب الأرض والسماوات، وهذه فطرة الله في خلقه، وهذه سنة الله في خلقه.
ولذلك فإن الإمام ابن القيم رحمه الله يقسم هذا الصنف الثاني إلى ثلاثة أقسام، ما هي؟ قسم ظالم لنفسه، وقسم مقتصد، وقسم سابق بالخيرات بإذن الله، وذلك مأخوذ من قول الله في سورة فاطر: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير } [ فاطر:٣٢ ].
إذا: الناس يتفاوتون في الطريق إلى الله، ظالم لنفسه، يعصي ويذنب ويرجع ويتوب، هذا هو حاله، ( كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون ) إلا أنه لا يصر على المعصية، فهذا في رحمة الله بإذن الله.
الظالم لنفسه؛ فرط كثيرا في الزاد الذي يبلغه، والمقتصد زاده يبلغه إلى الطريق بالكاد، والسابق بالخيرات زاده كثير، وربحه وفير، هؤلاء هم الأبرار والمقربون، وهذه الأصناف جميعا بإذن الله في رحمة الله جل وعلا، وإن كان العلماء كما ذكر ابن القيم قد اختلفوا في الظالم لنفسه على فرقتين: فهناك طائفة من العلماء قالت: إن الجنة للصنفين الآخرين، للمقتصد والسابق بالخيرات، أم الظالم لنفسه فإن غلبت حسناته سيئاته فهو من أهل الجنة، وإن غلبت سيئاته حسناته فهو من أهل النار، وصنف آخر قال: بأن الظالم لنفسه من الكفار، ولكن الإمام ابن القيم رجح مع طائفة من رجحوا بأن الأصناف الثلاثة في رحمة الله بإذن الله جل وعلا؛ لأن الله تعالى قال في بداية الآية: { ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله } [ فاطر:٣٢ ].
إذا: هؤلاء جميعا الذين وضعوا أيديهم وأرجلهم على الطريق بإذن الله هم جميعا في جنة الله وفي رحمته.
ولقد ذكر عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في هذه الآية ما ذكر الإمام ابن كثير أنه قال: هذه الأمة يوم القيامة أثلاث: ثلث يدخلون الجنة بغير حساب، وثلث يحاسبون حسابا يسيرا، وثلث يحبسون في المحبس يوم القيامة ثم يتجاوز الله عنهم -نسأل الله أن نكون منهم! - وذكر الإمام الطبراني عن أبي الدرداء رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الآية: ((( فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات )) [ فاطر:٣٢ ] فقال:  ( أما السابق بالخيرات فيدخل الجنة بغير حساب، وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا، وأما الظالم لنفسه فيدخله الله الجنة برحمته ) وفي رواية أخرى للنبي صلى الله عليه وسلم في الطبراني أيضا، قال: ( وأما الظالم لنفسه فيحبسه الله ويحاسبه فيظل في كرب وضيق وهم وبلاء، ثم بعد ذلك يتجاوز الله عنه، ويدخله الجنة برحمته ).
وهنا أيها الأحباب أتذكر حديثا للنبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، هذا الحديث خرجه الإمام مسلم في صحيحه، وهو مروي عن عبد الله بن مسعود، بشراكم يا أمة الحبيب! بشراكم يا من وضعتم أرجلكم على الطريق! وبشراكم يا من عرفتم طريق الله! يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن آخر رجل من أمتي يدخل الجنة، رجل يمشي على الصراط مرة ويكبو مرة، وتسفعه النار مرة ) وبعدما يتخطى الصراط -فيما معنى الحديث- ويعبر الصراط، وينجيه الله من نار جهنم، يلتفت إليها وينظر إلى حرها ونارها وهو يقول: تبارك الذي نجاني منك، ثم يقول: الحمد لله ! والله لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين، وهو آخر الناس: { فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز } [ آل عمران:١٨٥ ]، وهو آخر الناس، وقبله بزمان هناك من دخل بدون حساب، وهناك من دخل منذ زمن بعيد، ولكنه لما رأى النار وهول النار، يقول: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحدا من الأولين والآخرين.
وهنا حينما يعبر ويقترب من الجنة، يرفع الله له شجرة من شجر الجنة، شجرة يقول عنها النبي صلى الله عليه وسلم: ( يمشي في ظلها الراكب خمسمائة سنة ) شجر في الجنة غرسها الله بيديه لأوليائه، فيرفع الله له شجرة جميلة عظيمة، وهنا ينادي العبد على الله، ويقول: يا رب! فيقول الله عز وجل: ماذا تريد؟ فيقول العبد: يا رب ! قربني من هذه الشجرة؛ لأستظل بظلها، وأشرب من مائها، ولقد كانت تسفعه النار، إلا أنه عنده من الأمان، يا رب ! ادنني.
قربني من هذه الشجرة استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله عز وجل له: عبدي! يا ابن آدم! هل إن أعطيتكها وقربتك إلى هذه الشجرة لتستظل بظلها وتشرب من مائها، هل ستسأل شيئا من ذلك؟ يقول: لا وعزتك، وماذا أسأل؟! لقد كنت سأقع في النار، وهأنت يا رب بفضلك ورحمتك نجيتني من النار، وهأنذا سأستظل بشجرة من شجر الجنة لا أسألك شيئا بعدها يا رب.
فيقربه الله عز وجل منها، فيستظل بظلها ويشرب من مائها، وبعد ذلك يرفع الله له شجرة ثانية هي أحسن من الأولى، وبنص الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم:    ( وربه يعذره لأنه يرى ما لا صبر له عليه! وبعد فترة يقول له: يا رب ! يقول له: نعم، يقول له: يا رب ! قربني إلى هذه الشجرة الثانية -هذه جميلة جدا، وأحسن من الأولى بكثير- استظل بظلها وأشرب من مائها، فيقول الله: يا ابن آدم! ألم تعط العهود والمواثيق؟ يقول: شجرة اشتقت إليها، فيقربه الله عز وجل، فيستظل بظلها ويشرب من مائها.
ويمكث فترة، فيرفع الله له شجرة أخرى على باب الجنة، فينظر إليها فيشتاق، فيقول: يا رب ! قربني إلى هذه الشجرة، وعزتك لن أسأل شيئا بعد ذاك، فيقول: يا ابن آدم! ما أغدرك.
ألم تعط العهود والمواثيق على ألا تسأل غير الذي سألت؟ يقول: يا رب ! وعزتك لن أسأل بعد ذلك شيئا، فيقربه الله عز جل.
وهنا إذا ما اقترب إلى الشجرة الثالثة، التي هي على باب الجنة، ماذا يحدث؟ يستمع إلى أصوات أهل الجنة، وينظر إلى هذا النعيم المقيم الجنة، أنتم الآن في مجلس كله نقاء وكله حنان، فأنت في سعة وصدرك يتسع، فما بالك إن من الله عليك بمكان في بيتك كله سرور وكله راحة، لا شيء فيه يعكر عليك صفوك، تجلس في سعادة، فما بالك إن كنت في جنة الله جل وعلا، أو كما قال الشيخ الشعراوي بارك الله فيه، يقول حينما ذهب إلى قصر من قصور الضيافة في أمريكا، واستقبل في هذا القصر العجيب، وأخذ الناس من حوله يلتفتون إلى هذا البناء والمعمار والتشييد، فأراد الشيخ أن يلفتهم إيمانيا إلى الله، فقال لهم: أيها الناس! هذا إعداد البشر للبشر، فما بالكم بإعداد رب البشر، ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
ولذلك لما وصفها علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:
واعمل لدار غد رضوان خازنها والجار أحمد والرحمن بانيها

قصورها ذهب والمسك طينتها والزعفران حشيش نابت فيها

أنهارها لبن مصفى ومن عسل والخمر يجري ريحقا في مجاريها

والطير تجري على الأغصان عاكفة تسبح الله جهرا في مغانيها

فمن أراد أن يشتري الدار في الفردوس يعمرها بركعة في ظلام الليل يحييها
شجرة في الجنة على باب الجنة، يسمع أصوات أهل الجنة ونعيم أهل الجنة، فيقول: ( يا رب ! فيقول الله له: لبيك.
ماذا تريد؟ فيقول: يا رب! أدخلني الجنة، فيقول الله عز وجل: عبدي! فيقول: نعم يا رب! فيقول الله له: ما الذي يرضيك مني؟! عبدي! ألا تحب أن أعطيك الدنيا ومثلها معها؟! وهنا يقول العبد: يا رب! أتهزأ بي وأنت رب العالمين؟! وهنا ضحك عبد الله بن مسعود، فقال عبد الله بن مسعود: لماذا لا تسألوني مم أضحك؟ فقالوا له: مم تضحك؟ قال: أضحك لأن النبي صلى الله عليه وسلم حينما حدث بهذا الحديث ضحك، فقالوا له: لم تضحك يا رسول الله؟ قال: أضحك لضحك رب العزة.
لأن العبد حينما يقول: يا رب، أتهزأ بي وأنت رب العالمين، يضحك الله منه، ويقول له: لا يا عبدي! لا أهزأ بك، ولكني على ما أشاء قادر).
فيا أيها الأحباب! اطمئنوا؛ فإن الظالم لنفسه والمقتصد والسابق بالخيرات بإذن الله كلهم في رحمة الله وجنة الله.
إذا: فلتعلموا أن قصدي من هذا الكلام أن الناس متفاوتون، وأن الناس مختلفون، كل على حسب فهمه، وكل على حسب عقله، وكل على حسب إيمانه، وكل على حسب طاعته، وكل على حسب قربه، فلا تختلفوا، ولا تتهموا هذا ولا ذاك، ولا تتحاقدوا ولا تتنابذوا




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

المتابعة بالبريد الإلكتروني